ابن أبي العز الحنفي
56
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ ، وَإِمَّا قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ ، وَإِمَّا حَادِثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، وَإِمَّا مَخْلُوقٌ مُفْتَقِرٌ إِلَى خَالِقٍ ، وَإِمَّا غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا مُفْتَقِرٍ إِلَى خَالِقٍ ، وَإِمَّا فَقِيرٌ إِلَى مَا سِوَاهُ ، وَإِمَّا غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ . وَغَيْرُ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ ، وَالْحَادِثُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَدِيمٍ ، وَالْمَخْلُوقُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِخَالِقٍ ، وَالْفَقِيرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغَنِيٍّ عَنْهُ . فَقَدْ لَزِمَ عَلَى تَقْدِيرِ النَّقِيضَيْنِ وُجُودُ مَوْجُودٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ خَالِقٍ غَنِيٍّ عَمَّا سِوَاهُ ، وَمَا سِوَاهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَقَدْ عُلِمَ بِالْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ وُجُودُ مَوْجُودٍ حَادِثٍ كَائِنٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، وَالْحَادِثُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ ، وَلَا قَدِيمًا أَزَلِيًّا ، وَلَا خَالِقًا لِمَا سِوَاهُ ، وَلَا غَنِيًّا عَمَّا سِوَاهُ ، فَثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ وُجُودُ مَوْجُودَيْنِ : أَحَدُهُمَا وَاجِبٌ ، وَالْآخَرُ مُمْكِنٌ ، أَحَدُهُمَا قَدِيمٌ ، وَالْآخَرُ حَادِثٌ ، أَحَدُهُمَا غَنِيٌّ ، وَالْآخَرُ فَقِيرٌ ، أَحَدُهُمَا خَالِقٌ ، وَالْآخَرُ مَخْلُوقٌ . وَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا شَيْئًا مَوْجُودًا ثَابِتًا . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَيْضًا أَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ مُمَاثِلًا لِلْآخَرِ فِي حَقِيقَتِهِ ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَتَمَاثَلَا فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ ، وَأَحَدُهُمَا يَجِبُ قِدَمُهُ وَهُوَ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ ، وَالْآخَرُ لَا يَجِبُ قِدَمُهُ وَلَا هُوَ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ ، وَأَحَدُهُمَا خَالِقٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِخَالِقٍ ، وَأَحَدُهُمَا غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ ، وَالْآخَرُ فَقِيرٌ . فَلَوْ تَمَاثَلَا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَاجِبَ الْقِدَمِ لَيْسَ بِوَاجِبِ الْقِدَمِ ، مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مَوْجُودٍ بِنَفْسِهِ ، خَالِقًا لَيْسَ بِخَالِقٍ ، غَنِيًّا غَيْرَ غَنِيٍّ ، فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَاثُلِهِمَا . فَعُلِمَ أَنَّ تَمَاثُلَهُمَا مُنْتَفٍ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ ، كَمَا هُوَ مُنْتَفٍ بِنُصُوصِ الشَّرْعِ . فَعُلِمَ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ اتِّفَاقُهُمَا مِنْ وَجْهٍ ، وَاخْتِلَافُهُمَا مِنْ وَجْهٍ . فَمَنْ نَفَى مَا اتَّفَقَا فِيهِ كَانَ مُعَطِّلًا قَائِلًا للْبَاطِلِ ، وَمَنْ جَعَلَهُمَا مُتَمَاثِلَيْنِ كَانَ مُشَبِّهًا قَائِلًا للْبَاطِلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا وَإِنِ اتَّفَقَا فِي مُسَمَّى مَا اتَّفَقَا فِيهِ ، فَاللَّهُ تَعَالَى مُخْتَصٌّ بِوُجُودِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ ، وَالْعَبْدُ لَا يَشْرَكُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ